فصل: تفسير الآيات (186- 187):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (183- 184):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)}
{كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال عليّ رضي الله عنه: أوّلهم آدم، يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء. قال عليه السلام: «فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء» أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم.
وقيل معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان، فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده. فجعلوه خمسين يوماً. وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع، وزادوا عشرين يوماً كفارة لتحويله عن وقته. وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر. كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامها حين هاجر. ثم نسخت بشهر رمضان. وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام} الآية [البقرة: 87]. ومعنى {معدودات} موقتات بعدد معلوم. أو قلائل، كقوله: {دراهم مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال هيلاً ويحثى حثياً. وانتصاب أياماً بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة {أَوْ على سَفَرٍ} أو راكب سفر {فَعِدَّةٌ} فعليه عدّة. وقرئ بالنصب بمعنى: فليصم عدّة وهذا على سبيل الرخصة. وقيل: مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} واختلف في المرض المبيح للإفطار، فمن قائل: كل مرض، لأنّ الله تعالى لم يخص مرضاً دون مرض كما لم يخص سفراً دون سفر، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر، فكذلك كل مريض.
وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه. وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه، فقال: إنه في سعة من الإفطار. وقائل: هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه، لقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} وعن الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل. واختلف أيضاً في القضاء فعامّة العلماء على التخيير.
وعن أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه: «إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرّق» وعن عليّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضي كما فات متتابعاً. وفي قراءة أبيّ: {فعدّة من أيام أخر متتابعات} فإن قلت: فكيف قيل: {فَعِدَّةٌ} على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أي فعدّة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: فعدّة والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية.
وقرأ ابن عباس: {يطوّقونه}، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه {يتطوّقونه} بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه. {ويطوقونه} بإدغام التاء في الطاء. {ويطيقونه} {ويطيقونه} بمعنى يتطوقونه، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تدير المكان وما بها ديَّار. وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية. وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ. ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} فزاد على مقدار الفدية {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} فالتطوع أخير له أو الخير. وقرئ (فمن يطوّع)، بمعنى يتطوّع {وَأَن تَصُومُواْ} أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الفدية وتطوع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً. وفي قراءة أبيّ: {والصيام خير لكم}.

.تفسير الآية رقم (185):

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}
الرمضان: مصدر رمض إذا احترق- من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل (ابن دأية) للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت.
فإن قلت: لم سمي {شَهْرُ رَمَضَانَ}؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجاراً بشدته عليهم. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحرّ.
فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً وإحتساباً».
«من أدرك رمضان فلم يغفر له» قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال:
بِمَا أَعْيَا النّطَاسِي حِذْيَمَا

أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره {الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} أو على أنه بدل من الصيام في قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} [البقرة: 183] أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من {أَيَّامًا معدودات}، أو على أنه مفعول {وَأَن تَصُومُواْ} [البقرة: 184]. ومعنى: {أُنزِلَ فِيهِ القرآن} ابتدئ فيه إنزاله. وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} كما تقول: أنزل في عمر كذا، وفي عليّ كذا.
وعن النبي عليه السلام: «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين» {هُدًى لّلنَّاسِ وبينات} نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحقّ والباطل.
فإن قلت: ما معنى قوله: {وبينات مِّنَ الهدى} بعد قوله {هُدًى لّلنَّاسِ}؟ قلت: ذكر أوّلاً أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فمن كان شاهداً، أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر: منصوب على الظرف وكذلك الهاء في {فَلْيَصُمْهُ} ولا يكون مفعولاً به كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر {يُرِيدُ الله} أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفي عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، ومن جملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض.
ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: {اليسر، والعسر}- بضمتين. الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره {وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: {لتكلموا} علة الأمر بمراعاة العدّة {وَلِتُكَبّرُواْ} علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدّى فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمناً معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم. ومعنى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وإرادة أن تشكروا وقرئ: {ولتكملوا} بالتشديد.
فإن قلت: هل يصحّ أن يكون (ولتكملوا) معطوفاً على علة مقدرة، كأنه قيل لتعلموا ما تعلمون، ولتكملوا العدّة، أو على اليسر، كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ} [الصف: 8] قلت: لا يبعد ذلك والأوّل أوجه.
فإن قلت: ما المراد بالتكبير؟ قلت: تعظيم الله والثناء عليه. وقيل: هو تكبير يوم الفطر. وقيل: هو التكبير عند الإهلال.

.تفسير الآيات (186- 187):

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}
{فَإِنّي قَرِيبٌ} تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [ق: 16] وقوله عليه الصلاة والسلام: «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم» وروي: أنّ أعربياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. وقرئ {يرشَدون ويرشِدون}، بفتح الشين، وكسرها.
كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، وأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت. وقرئ: {أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث}، أي أحلّ الله.
وقرأ عبد الله: {الرفوث}، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنشد وهو محرم:
وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ** إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا

فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء. وقال الله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ} فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك.
فإن قلت: لم كنى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} [النساء: 21]، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} [الأعراف: 189]، {باشروهن}، {أَوْ لامستم النساء} [النساء: 43]، {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223]، {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237]، {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء: 24]، {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222]؟ قلت: استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً لأنفسهم.
فإن قلت: لم عدى الرفث بإلى؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:
إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا ** تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا

فإن قلت: ما موقع قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ}؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ {تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور {وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل.
وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر. وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلّله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم.
وعن قتادة: وابتغوا ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر.
وقرأ ابن عباس: (واتبعوا) وقرأ الأعمش: (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، وهو قريب من بدع التفاسير {الخيط الابيض} هو أوّل من يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. و{الخيط الأسود} ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود. قال أبو داؤد:
فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ** وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خيط أنَارَا

وقوله: {مِنَ الفجر} بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود. لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون (من) للتبعيض: لأنه بعض الفجر وأوّله.
فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله: {مِنَ الفجر} أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز. فإذا زدت (من فلان) رجع تشبيهاً.
فإن قلت: فلم زيد {مِنَ الفجر} حتى كان تشبيهاً؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟ قلت: لأنّ من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر {مِنَ الفجر} لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد {مِنَ الفجر} فكان تشبيهاً بليغاً وخرج من أن يكون استعارة.
فإن قلت: فكيف التبس على عديّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال: «إن كان وسادك لعريضا» وروي: (إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل)؟ قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. وأنشدتني بعض البدويات لبدوي:
عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِي شِمَالِه ** قَدِ انحص مِنْ حَسْبِ القَرَارِيطِ شَارِبُهْ

فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل {مِنَ الفجر} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك {مِنَ الفجر} فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان- وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم- فلم يصح عندهم هذا الحديث. وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث. لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال {عاكفون فِي المساجد} معتكفون فيها. والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه. والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ}، {فالن باشروهن} وقيل معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة، والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل.
وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك. وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختصّ به مسجد دون مسجد. وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبيّ وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل: في مسجد جامع. والعامة على أنه في مسجد جماعة.
وقرأ مجاهد: {في المسجد} {تِلْكَ} الأحكام التي ذكرت {حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فلا تغشوها.
فإن قلت: كيف قيل: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} مع قوله:
{فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله} [البقرة: 229]؟ قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصاً، لقوله: {وَلاَ تباشروهن} وهي حدود لا تقرب.